عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

292

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

كان في بغداد حرفيون ولكل اختصاصه . فإذا فرغ الهمذاني من وصف الشّواء نقلنا إلى صورة أخرى ، تصور لنا صاحب الحلوى في بغداد وبضاعته وما توفر لها وما يجب أن يتوفر من شروط الصناعة المتقنة : « زن لأبي زيد من اللوزينج « 1 » رطلين ، فهو أجرى في الحلوق ، وأمضى في العروق ، وليكن ليليّ العمر ، يوميّ النشر ، رقيق القشر ، كثيف الحشو ، لؤلئيّ الدهن ، كوكبي اللون ، يذوب كالصمغ قبل المضغ « 2 » » . وكذلك يفعل في المقامة « المضيرية » عندما يصف طريقة تقديمها فيقول « فقدمت الينا مضيرة « 3 » تثني على الحضارة ، وتترجرج في النضارة ، وتؤذن بالسلامة ، في قصعة يزل عنها الطرف ، ويموج فيها الظرف » وقد وضعت هذه المضيرة على المائدة « فلما أخذت من الخوان مكانها قام أبو الفتح الإسكندري يلعنها وصاحبها ، ويمقتها وآكلها ، ويثلبها وطابخها ، وتنحى عن الخوان » . ويصف الهمذاني طريقة صنعتها وانهماك زوج مضيفه في اعدادها وحذقها في صنعتها وتأنقها في طبخها فيقول : « يا مولاي ! لو رأيتها والخرقة في وسطها ، وهي تدور في الدور ، من التنور إلى القدور ، ومن القدور إلى التنور ، تنفث بفيها في النار ، وتدق بيديها الأبزار « 4 » » . في هذا الأدب نجد تصويرا نفسيا رائعا لأهل هذا العصر إلى جانب التصوير المادي فمن يقرأ المقامة كاملة يجد أن الهمذاني يعرض أمامنا صورة للتاجر في عصره ، لقد كان معظمهم ممن لقي الغنى بعد العدم ، والفقر بعد ذل ، فكأنه لم يثق فيما ينعم فيه ، لذلك لا يفتأ يصف لزواره كل جزء منه ، وكأنه بهذا الوصف يجد نعتا ثانيا لروحه . فهو لا يدعو زائره الا ليريه أطراف هذه النعمة ، ولا يلبث زائره أن ينفر من حديثه ومن دعوته ، ومثل هذا التاجر كثير في الحياة ليس فقط في عصر الكاتب وإنما في كل عصر . كذلك نجد تصويرا للجانب المادي من حياة هذا العصر حين يصف لنا المضيرة وطريقة طبخها ثم تقديم الطست والماء لغسل اليدين قبل الطعام ، ثم الإبريق الذي يسهب التاجر في وصفه ثم المنديل الذي يقدم مع الطعام ليحافظ به الآكل على نظافة ثيابه . كما يصف

--> ( 1 ) اللوزينج : الحلوى من الفطائر والرقاق وكانت تتخذ من اللوز والدقيق والفستق وترش بماء الورد . ( 2 ) مقامات الهمذاني « المقامة البغدادية » . ( 3 ) المضيرة : لحم يطبخ باللبن المضير أي الحامض ثم تضاف اليه الأبزاز . ( 4 ) مقامات الهمذاني : « المقامة المضيرية » .